ابن الجوزي

237

صفة الصفوة

القصص ، كأنه يكرهه . فكان إذا كانت له حاجة بكّر فيها . فبكّر يوما وبكّرت معه فجعلت طريقنا على مسجد صالح المري فقلت : يا أبا عبد اللّه ندخل فنصلّي في هذا المسجد . فدخل فصلّينا وكان يوم مجلس صالح ، فلما صلّوا ازدحم الناس فبقينا لا نقدر أن نقوم ، وتكلم صالح فرأيت سفيان يبكي بكاء شديدا ، فلما فرغ وقام قلت له : يا أبا عبد اللّه كيف رأيت هذا الرجل ؟ فقال : ليس هذا بقاصّ هذا نذير قوم . عفان بن مسلم قال : كنا نأتي مجلس صالح المري نحضره وهو يقصّ ، وكان إذا أخذ في قصصه كأنه رجل مذعور يفزعك أمره ، من حزنه وكثرة بكائه كأنه ثكلى ، وكان شديد الخوف من اللّه كثير البكاء . أحمد بن إسحاق الحضرمي قال : سمعت صالحا المري يقول : للبكاء دواع : الفكرة في الذنوب فإن أجابت على تلك القلوب وإلا نقلتها إلى الموقف وتلك الشدائد والأهوال ، فإن أجابت على ذلك وإلا فاعرض عليها التقلّب في أطباق النيران . قال : ثم صاح وغشي عليه وتصايح الناس من نواحي المسجد . الأصمعي قال : شهدت صالحا المري عزّى رجلا على ابنه فقال : لئن كانت مصيبتك لم تحدث لك موعظة في نفسك فمصيبتك بابنك جلل في مصيبتك في نفسك ، فإياها فابك . أسند صالح عن الحسن وابن سيرين وثابت وقتادة وبكر بن عبد اللّه في خلق كثير من التابعين . وتوفي سنة ست وسبعين ومائة . 549 - الربيع بن عبد الرحمن ويعرف بالربيع بن برة . محمد بن سنان قال : سمعت الربيع بن برّة يقول : ابن آدم إنما أنت جثّة منتنة طيب نسيمك ما ركب فيك من روح الحياة فلو قد نزع منك روحك ألقيت جثة ملقاة وجيفة منتنة وجسدا خاويا . قد جيّف بعد طيب رائحة واستوحش منه بعد الأنس بقربه . أيّ الخليقة منك أعجب إذ كنت تعلم أن هذا مصيرك وأن التراب مقيلك ثم